بعدما وصلتني ثمرة سعيي وجهدي طوال السنة الدراسية الأخيرة من المرحلة الثانوية ، وأكرمني اللّٰه بنسبة ترضيني والحمد لله ، أحببت أن أشارككم في هذا المقال سر من الأسرار التي أوصلتني إلى ما تمنيت، ألا وهو الدعاء .
فقد وجدتُ في كتاب “إن الله معنا” كماً كبيراً من المواعظ والفوائد التي لها صلة بهذا الموضوع حيث اختص قسم كامل بالكلام عنه . وسألخص لكم أبرز ما خرجتُ به من الكتاب ، لعله يفيدكم كما أفادني ، ويترك فيكم من الأثر ما ترك فيَّ.
الحاجة الفطرية إلى القرب الإلهي
الإنسان إذا حصلت له مصيبة ، فإن أول شيء يفكر فيه أن يخبر بها شخصاً ما ، سواء كان الشخص حبيباً أم قريباً ، فالزوجة بمجرد أن تصل البيت تخبر زوجها بكل ما حدث في العمل، والطفل الصغير كذلك يذهب بسرعة لأمه كي يخبرها بما حلَّ به ، والله سبحانه وتعالى يعلم أن العباد يحتاجون إلى من يتكلم معهم ويكلمونه ، يحتاجون إلى حبيب قريب منه يبثون أحزانهم وحاجاتهم ويفضفضون بما في قلوبهم . ويعلم الله تعالى أنهم يحتاجونه بشدة ، فكان هو الله تعالى ذلك الإله الذي يسد حاجتهم ، ففتح لهم بابه طوال الليل وطوال النهار ، ففي أي وقت أحببت أن تكلم الله فهو موجود سبحانه وسيسمعك.
كيف نكلم الله ؟
نحن نكلم الله كثيراً ، في الصلاة وبعد الصلاة وقبل الصلاة ،لكن هل نعلم كيف نكلم الله ؟
إذا أردت أن تدخل على صاحب منصب كبير ، لنقول أنك تود أن تقابل ملكاً من الملوك في هذه الدنيا
من الطبيعي جداً أن تحتاج إلى معرفة أو ما نسميها واسطة ؛ حتى نستطيع أن نأخذ موعداً لمقابلة الملك . وهذا الملك قد يستقبلك وقد لا يستقبلك ! وإذا استقبلك ، قد يمن عليك وقد يأخذ منك خدمة ، أو حتى ربما يطلب منك مبلغاً من المال للأسف وهنا ندخل بالرشاوي ، مع أنك تريد أن تقابل من ؟ نعم صحيح ملك ، لكنه بشر مثله مثلك . لكن ، لأنه ملك فتحتاج لهذا كله لأجل مقابلته !
أما ربنا جل جلاله ملك الملوك سبحانه ، فإنك لا تحتاج لمقابلته إلى واسطة أو رشوة أو ما شابه ذلك سبحانه وتعالى.
فقط ما تحتاجه هو أن تتوضأ وتستقبل القبلة ، فإذا قلت : الله أكبر ، فأنت الآن بين يدي الله ، بين يدي الملك تكلمه ويكلمك ، وعنده سبحانه كل ما تحتاجه أنت من هذه الدنيا وزيادة ، فأخرج كل همومك بين يديه وكلمه بكل شيء وأخبره بكل ما تريد فهو سيستمع إليك سبحانه إلى أن تنتهي ، حتى وإن أطلت الكلام فإنه لن يمل منك ؛لأنه سميع مجيب سبحانه لا يمل أبداً .
عندما ندعو الله هل يُستجاب لنا أم لا ؟
صحيح أن ربنا سميعٌ مجيب ، ولكن ربنا سبحانه وتعالى لا يستجيب لكل أحد ! . ملايين الناس تدعو الله كل يوم، ولكن الله لا يستجيب للكل ؛ لأن البعض ليست عنده أسباب الإجابة . وهناك أناس أذكياء يعرفون ما الذي يفعلوه لكي يستجيب الله دعاءهم !
فيتوجب علينا تغيير طريقتنا في الدعاء :
فمن حسن تأدبنا مع الله اختيار طبقة صوت مناسبة ، يقول الله تعالى : ﴿ واذكُر ربَّك في نفسِكَ تضرُّعاً وخيفة ودُونَ الجهْرِ من القول ﴾ . [الأعراف:205]
يعني لا نرفع صوتنا بالدعاء كثيراً ، ولا نخفضه شديداً .
هذا بالنسبة إلى اللسان وقت الدعاء .
أما القلب ...
انتبه لقلبك أثناء الدعاء ؛ لأن كثيراً منا يدعو ربه بطريقة يسرد فيها الكلام سرداً ، يتلو ما يحفظه من أدعية وهو سرحان ، قلبه يفكر في شيءٍ آخر .
ثم ينتهي ويظن أنه قد دعا ربه ، لا، هذا الدعاء ربي لا يستجيبه .
قدر الله وجلاله أعظم من أن نكلمه بهذه الطريقة السريعة .
الدعاء الذي لا يستحضر القلب فيه معاني الكلمات التي تقال في الدعاء ، هذا دعاء لا يستجاب له.
ومن آداب الحديث مع الله أن نثني عليه ونسبحه ونحمده ونمجده ونعظمه . إياك أثناء الدعاء أن يغفل قلبك عن معاني الكلمات ، لا تكلم الله تعالى وأنت سرحان أثناء الدعاء
ومن الأمور التي تجعلنا نستشعر كل كلمةٍ نهمس بها في الدعاء، أن ندرك عِظَم من نناجي بمشاعر التضرع ؛ أي التذلل والخضوع لله وحده .
حاول أن تظهر الافتقار والحاجة والمسكنة لربك قدر المستطاع ، أخبره أنك مفتقر إليه ، وأنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، وأنك ضعيف وبالله قوي ، وأنك مكسور وبالله تنجبر .
ربنا سبحانه وتعالى يحب أن يسمع منك ذلك ، يحب ذلك لدرجة أن يمنع العذاب أن يصيب العبد إذا تضرع .
ولعلّ أجمل ما نصل إليه حين نغيّر أسلوبنا في الدعاء، أن يتحوّل الدعاء من كلماتٍ نرددها إلى مناجاةٍ نشعر بكل حرفٍ فيها؛ فنُقبل على الله بقلوبٍ واعية، ونوقن أن وراء كل دعوةٍ بابًا قد يُفتح، ورحمةً قد تُدركنا، ولطفًا قد يأتي في الوقت الذي كتبه الله لنا.
وختامًا، تحقيق الأماني لا يقتصر على الدعاء ومناجاة الله فقط، بل لا بد من السعي نحو ما تتمناه أيضًا؛ فالدعاء يهب القلب يقينًا، والسعي يترجم ذلك اليقين إلى خطواتٍ تمضي بنا نحو ما نرجو. وبين دعوةٍ تُرفع إلى السماء، وخطوةٍ نخطوها في الأرض، يمضي الإنسان في طريق أمنيته، مستعينًا بالله، مستبشرًا بلطفه، وموقنًا أن ما كُتب له سيبلغه في وقته.
نُقل معظم المكتوب في هذا المقال من الكتاب مباشرةً مع بعض التحوير في الكلام للمناسبة ، وأرجو أن يفيدكم هذا الكلام مثلما أفادني ..

