منذ آلاف السنين ، ارتبط البحر في الأدب والفنون بالحرية والسكينة والغموض ، وهذا ليس مجرد انطباع شعري ؛ فالدراسات النفسية تشير إلى أن البيئات المائية تؤثر فعلا في طريقة عمل الدماغ ومشاعر الانسان .
ويتجلى هذا الأثر في جملة من المحاور منها :
البحر يخفف الحمل الذهني
في صخب الحياة اليومية وما نتعرض له من منبهات كالضوضاء ، السيارات ، الهواتف والإعلانات ، تكون أمواج البحر ملاذاً للإنسان حيث تخفف من وطأة الضغوط وفقاً لصوت إيقاعي ومشهد معين ، وتمنح الدماغ فرصة للانتقال من حالة اليقظة المُرهقة إلى حالة أكثر هدوءا ، فتقل سرعة الأفكار ويشعر الإنسان بالراحة والطمأنينة.
صوت الأمواج وتأثيره العصبي
الأمواج ليست مجرد صوت نسمعه ، بل تمتلك إيقاعاً منتظماً يساعد الجهاز العصبي على الاسترخاء . فنجد أن كثيراً من الناس يستخدمون تسجيلات لصوت البحر أثناء النوم أو التأمل ، ولا يقتصر تأثيرها على العقل فقط، بل تتعداه لتصل إلى الحواس عامةً ، وإلى حاستي السمع والبصر على وجه الخصوص .
الأفق الواسع يمنح الشعور بالحرية
المشهد الحضري المكتظ بالمباني يحرم العين من الاتساع الذي تحتاجه للراحة فينعكس على صفاء الذهن ، بينما في البحر تمتد الرؤية إلى خط الأفق ، وهذا الاتساع يمنح الإنسان إحساساً بالانفتاح فيشعر بأن مشكلاته أقل ضخامة مقارنة باتساع الطبيعة .
اللون الأزرق وتأثيره
كثيراً ما يربط العلماء اللون الأزرق بالهدوء والراحة والطمأنينة ، وبٍالتقاء زرقة السماء مع زرقة البحر ، تتقلص الكثير من الضغوطات النفسية فينخفض معدل التوتر ليرتفع معدل الراحة والاستقرار للفرد حتى ولو لم يكن واعياً لهذا التأثير .
لماذا لا يشعر الجميع بالراحة عند البحر
رغم أن كثيراً من الناس وجودوا في البحر السكينة ، إلا أن هذا لا ينفي أو يعدم شعور البعض بالاضطراب الداخلي ، فالتجربة ليست واحدة لجميع.
قد يرتبط البحر لدى عدد من الأشخاص بذكريات حزينة ، أو يثير لديهم مشاعر الخوف من أعماق المجهول . وهذا يوضح أن تأثير الطبيعة لا يعتمد عليها وحدها، بل أيضًا على تجارب الإنسان الشخصية.
وقد يكون البحر مجرد مساحة من الماء، لكنه بالنسبة للإنسان مساحة نفسية أيضًا. فهو يمنح العقل استراحة من ضجيج الحياة، ويعيد ترتيب الأفكار، ويذكرنا بأن الهدوء لا يأتي دائمًا من تغيير ظروفنا، بل أحيانًا من تغيير المكان الذي نقف فيه وطريقة نظرنا إلى العالم.
واختتم هذا المقال ببعض الأبيات الشعرية التي انتقيتها من مآثر الأدباء :
قول ابن خفاجة الذي وصف البحر وهدوء أمواجه :
وَمَـاءٍ يَـجُـولُ الـمَـاءُ فِـي صَـفَـحَـاتِـهِ
جُـفُـوناً، وَتَـبْـكِـي بِـالـعُـيُـونِ سَـوَاقِـيَـهْ
وَبَـحْـرٍ مَـدِيدِ الـمَـوْجِ تَـقْـذِفُ جَـانِـبَـاهُ
بِـدُرٍّ تَـقَـضَّـى مِـنْ غُـيُـومٍ هَـوَامِـيَـهْ
وقول ابي نواس الذي تغنى فيه بجمال البحر وما فيه من درر :
صَفَاءٌ مِثْلُ صَفْوِ الدُّرِّ فِيهِ وَأَمْوَاجٌ كَأَثْوَابِ الحَرِيرِ
تَرَى فِيهِ المَحَارَ إِذَا تَجَلَى كَأَقْمَارٍ بَدَتْ بَعْدَ السُّتُور
اتمنى أن المقال ينال اعجابكم…
إذا استمتعت بالقراءة، تفاعلك هو أفضل طريقة لدعم هذا المحتوى.

