إذا كان هناك من غيًّر تاريخ البحر المتوسط في القرن السادس عشر ، فهو خير الدين بربروسا الذي عُرف ب”خير الدين باشا” واسمه الأصلي “خضر أو خضر ريس” . فهو لم يكن مجرد قائد بحري ، بل كان واحد من أبرز الشخصيات التي ساهمت في جعل الدولة العثمانية قوة بحرية تنافس القوات الكائنة في تلك المنطقة آنذاك ، كالقوات الإسبانية والبندقية والبرتغال .
ولادته ونشأته :
ولد خير الدين باشا عام 1478 في جزيرة ليسبوس وكان الأصغر بين إخوته الثلاث الذي عُرف منهم عروج بربروسا كقائد بحري سبق أخيه ، بدؤوا الإخوة كتجار في البحر ، ولكن بعد مقتل أحد الإخوة وأسر عروج بربروسا على يد فرسان جزيرة رودس ، تحولوا إلى قتال الأوروبيين الكائنين في حوض البحر المتوسط والذين كانوا يسيطرون على أغلب المناطق هناك .
وقد لُقب ب”بربروسا” وهو لفظ إيطالي الأصل ؛ نسبةً لتميزه بلحيةٍ حمراء حيث لفظ بربروسا لدى الايطاليين يعني “الشخص ذو اللحية الحمراء”.
رحلاته في شمال إفريقيا :
واجه الشمال الإفريقي العديد من الهجمات الأوروبية - خاصةً من إسبانيا والبرتغال - اثر سقوط غرناطة عام 1492م وسقوط الأندلس نهائياً بعد حكم دام لأكثر من 8 قرون . وقد عامل الأوروبيون سكان الأراضي المُستَعمَرة معاملة قاسية ، وعلى الرغم من محاولات سكان شمال أفريقيا المتكررة، إلا أنهم لم يتمكنوا من طرد القوات المحتلة، حتى برز الأخوان عروج وخير الدين بربروسا على رأس أسطول بحري، لتبدأ مرحلة جديدة من حملات التحرير التي استعادت مدينةً تلو الأخرى على امتداد سواحل شمال أفريقيا .
ونذكر من تلك الحملات ضمه للجزائر الشقيقة ، حيث استنجد الأهالي بخير الدين وأخيه عروج لإنقاذهم من الاحتلال الإسباني ، تمكن عروج من دخول مدينة الجزائر آنذاك ، ولكنه قُتِل بعد عامين فتولى أخاه خير الدين الحملة على الإسبان .
وعندما شعر بربروسا بأن مواجهة الأسطول الإسباني تحتاج دعماً أكبر ، استعان بالسلطان العثماني “سليم الأول” ، فاستجاب لهم السلطان ، وقام بإرسال الجنود والأسلحة والسفن ، لتصبح الجزائر بعد ذلك ولاية عثمانية وقاعدة بحرية رئيسية في البحر المتوسط .
لماذا كانت رحلاته مهمة ؟
بالرغم من سردي لأحد رحلات خير الدين من الجانب الدفاع والحصول على الغنائم ، فإن رحلاته لم تقتصر على هذا الجانب فقط ، بل كان لها أهمية سياسية وعسكرية تتمثل في تأمين الطرق التجارية والبحرية ، بالإضافة إلى تأمين سواحل الإسلامية التي ساهمت في الحد من التوسع الإسباني في شمال إفريقيا .
وفاته وإرثه
توفي خير الدين بربروسا سنة 1546م في إسطنبول، وترك وراءه أسطولًا بحريًا قويًا، وقد أصبحت الجزائر أهم قاعدة عثمانية في غرب البحر المتوسط، ومنها انطلقت حملات بحرية أثرت في تاريخ المنطقة لسنوات طويلة
وقد أُلفت الكثير من الكتب والقصص التي تروي ما قام به من أعمال وفتوحات .
ولم تقتصر آثار بربروسا على ميادين البحر، بل امتدت لتجد لها موطئًا في صفحات المناهج التعليمية، شاهدةً على ما تركه من بصمة في مجرى التاريخ

