مرت اللغة العربية بتقلبات عدة صقلت هويتها وجعلت منها قوية مُزدهرة في بعض العصور ، وراكدة في العصور الأخرى . و الفترة الحديثة والمعاصرة التي نعيشها اليوم هي أحد تلك العصور التي جمعت في طياتها ما بين الازدهار والركود المتمثل في مواكبة الأمم الغربية في التقدم والأخذ بأساليب التطور من جهة، و المفردات والتعبيرات الدخلية عليها من جهة أخرى.
ولكن السؤال هنا : كيف أعاد الاستعمار تشكيل المشهد اللغوي ؟ وهل الاستعمار مسؤول عن فصاحتنا العربية ؟
سأتناول في هذا المقال الكلام عن تاريخ اللغة العربية مع ، الغزو الأجنبي -من الناحية الثقافية على وجه الخصوص- ، وكيف تحول المشهد في المنطقة العربية من وحدة جغرافية جامعة تعتمد الفصحى لغة للتخاطب ،إلى فسيفساء من اللهجات المتنافرة التي جعلت من الحدود السياسية حدود لسانية أيضا .
لفهم وضع اللغة الحالي لا بد من الرجوع بالزمن قليلاً، تحديداً في زمن العصر العباسي ، حيث نشأت في تلك الفترة معظم علوم اللغة نذكر منها البلاغة ، والبديع ، والنقد التطبيقي . وقد اتسمت اللغة بأعلى درجات القوة في هذا العهد ونظراً لتوطد العلاقة ما بين الدولة العباسية والأمم الأخرى ، برز الكثير من النحاة والعلماء والأدباء في تلك الفترة من العرب وغير العرب ، من الرجال منهم ومن النساء.
ولكن لم تدم هذه الفترة لوقت طويل ؛ لأن قيام الدولة العثمانية في الوطن العربي أسهم في الركود والتخلف بها ، خاصة مع اتباع سياسة العزلة عن اليقظة الفكرية والاجتماعية ومنع الاتصال بمراكز الحضارة في الأمم والدول الأخرى ، وكان العامل الأهم فرض اللغة العثمانية “ التركية “ في الأمصار العربية والاهتمام بها ، ويمكننا القول بأنَّ هذه العوامل كانت سبب رئيساً وبدايةً للتحول والتغيير في اللغة العربية .
عقب ذلك ، تمكن العرب من اليقظة والحركة من بعد ما كانوا في سبات وجمود في الدولة العثمانية، بالتنقيب في نفائس تراثهم والاستناد على ما ورثوه من آبائهم وأسلافهم ، وبدراسة وفهم ما كان وارداً لدى الأمم المتقدمة آنذاك والأخذ بما يرونه مناسباً لهم .
ولكن في ذاك الوقت ، كان الاستعمار والحملات الأوروبية تسيطر على الكثير من الدول العربية ، وتلك السيطرة لم تقم على الجانب السياسي فقط ، بل فرضوا علينا لغتهم، نمط حياتهم، والكثير من الأمور التي لا زالت لها أثراً علينا حتى الآن .
ورغم الجهود التي بذلها العرب لمواجهة آثار الاستعمار، وسعيهم إلى استيعاب بعض الوافد الأجنبي وإعادة صياغته بما ينسجم مع هويتهم وثقافتهم، فإن ذلك لم يكن كافيًا لمنع التحولات التي طرأت على مكانة العربية. فمع مرور الوقت، بدأت الفصحى تُصوَّر في أذهان كثيرين على أنها لغة معقدة وثقيلة، بعد أن كانت وسيلة طبيعية للعلم والأدب والتعبير.
وفي وقتنا الحالي، من الصعب الرجوع إلى ما كانت اللغة عليه لكن القيام ببعض المبادرات مثل:
جعل تدريس اللغة قائماً على التطبيق والممارسة لا الفهم
ربطها بالحياة اليومية والأدب المعاصر
تشجيع الكُتَّاب والمترجمين على إثراء المحتوى العربي
نشر مقالات ومنشورات ومقاطع فيديو بلغة عربية سليمة
في ختام مقالي، لايمكنني قصر ضعف اللغة على الاستعمار فحسب ، فربما لم يفقد العرب فصاحتهم بسبب الاستعمار وحده، وربما لم تكن المشكلة في اللغة أصلًا، بل في علاقتنا بها. فاللغة لا تموت لأنها ضعيفة، وإنما تضعف عندما يتوقف أهلها عن منحها المكانة التي تستحقها.
دعمكم ليا يخليني أستمر ♡

