اهتم الإنسان منذ القدم بفهم العالم من حوله، وتعرَّف على تضاريس الأرض وأحوال المناخ وكل العوامل التي تؤثر سلبا أو إيجابا على الكرة الأرضية . فتوصل إلى رسم طرق السفر ، ووثق مواقع المدن والبحار والجبال ، ومن هذا المنطلق أُرسِيَت دعائم علم الجغرافيا والخرائط ليصبح علماً قائما بذاته تستند إليه بقية العلوم الأخرى.
ومن بين الحضارات التي ساهمت في تطوير هذا العلم هي الحضارة الإسلامية ، فبرزت بما قدمه العلماء من مؤلفات وخرائط أسهمت في تقدم المعرفة الجغرافية بقرون .
ازدهر علم الجغرافيا في الحضارة الإسلامية نظراً لرغبة المسلمين في ايصال الدعوة الإسلامية في مختلف بقاع الأرض . فنبغ كثيرٌ من العلماء الذين لم يكتفوا بالنقل فقط ، بل تعدوه إلى القيام بالرحلات وعبور القارات والبحار ؛ ليلاحظوا ويصفوا ما لاحظوه بأنفسهم .
وكان للتجارة دور كبير يتمثل في الاستفادة من الوافدين وأخذ كم وافر من المعلومات منهم ، وكذلك قد استفادوا من تجار ورحالة بلدهم الذي كانوا يزورون مختلف الأمصار ويعودوا ليزودوا أبناء قومهم بالمعلومات والمفاهيم ، ولا سيما مواسم الحج التي أسهمت في توثيق الطرق والمسافات .
دقة الخرائط الإسلامية
اعتمدت الخرائط الإسلامية على الملاحظة المباشرة ، حيث كان الجغرافيون كما ذكرت يعتمدون في رسمهم على أقوال التجار والبحارة والحجاج أثناء موسم الحج ، فبالتالي لم تكن خرائطهم تقريبية .
وقد حرص المسلمون على تحديد مواقع المدن والجبال والبحار بدقة أكبر مما كان شائعاً في الخرائط السابقة . ولا يمكن الجزم بأنها كانت شديدة الدقة ، ولكن إذا قورنت ببعض الخرائط التي رسمت في ذاك العصر وفي العصور التي قبله سنجد أن الخرائط الإسلامية اتسمت بدرجة أكبر من الدقة والعمق والواقعية .

كما توصل المسلمون إلى تحديد التوقيت والمناخ عن طريق خطوط الطول ودوائر العرض ، وقد ساعدهم هذا الاكتشاف في رسم الخرائط بشكل منظم وأكثر دقة .
ولضبط اتجاهاتهم أثناء السفر، اهتدى العلماء إلى استخدام أدوات ملاحية أسهمت في تطور علم الجغرافيا، كالأَسطرلاب والبوصلة، فأصبحت الرحلات أكثر دقة وأمانًا.
الإدريسي ودوره
،يُعد ابن مدينة سبتة، أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي من أبرز العلماء الجغرافيين في العصور الوسطى والحضارة الإسلامية . صنع خرائط عالمية عُرفت باسم لوح الإدريسي أو الخريطة الإدريسية وكانت من أبرز الخرائط في ذاك العصر .
ألف كتابه الشهير “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق “ الذي احتوى على وصف جغرافي شامل للعالم والمدن المعروفة آنذاك . اعتمد في كتابه على المعلومات المنقولة من الرحالة والتجار والبحارة ، بالإضافة إلى أعمال الجغرافيين الذين سبقوه ، كذلك كان يجمع المعلومات من الأشخاص الذين كان يرسلهم الملك روجر الثاني إلى بعثات ، وكان الإدريسي يقارن بين المعلومات ويتأكد من صحتها قبل كتابتها.
ولم يكن الإدريسي مجرد رسّام خرائط، بل كان باحثًا جمع بين المعرفة النظرية والتجربة الميدانية، فحوّل أخبار الرحالة والتجار إلى علم جغرافي منظم.
كيف انتقلت هذه المعرفة إلى أوروبا ؟
في الوقت التي كانت فيها الحضارة الإسلامية أصل المعرفة ونور العلم ، كانت أوروبا في أوجِّ ظلامها ، وكانت معلوماتهم حول العالم الخارجي ضئيلة جداً . ولكن بفضل التجارة الشرقية وتواصلهم مع العالم الشرقي والإسلامي تمكنوا من استنتاج العديد من المعلومات والمفاهيم وسعى عدد منهم لإثبات هذه المعلومات والاقناع والاقتناع بها ، وقد كانت المعلومات التي وصلتهم من قبل الملاحين والتجار هي بداية لعصر النهضة في أوروبا .
من هذا نتوصل إلى السؤال الذي اشتمل عليه المقال، من الذي رسم الخرائط أولاً ؟
لا يمكن نسب اختراع رسم الخرائط إلى شخص واحد أو حضارة واحدة، فقد عُرفت مختلف الحضارات بالمحاولات المتعددة لتصوير العالم وفهم أبعاده. إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو أن الجغرافيين المسلمين قدموا نقلة نوعية في هذا المجال، إذ اتسمت خرائطهم بدقة وعمق وواقعية جعلتها من أكثر الخرائط تقدمًا في عصرها، وأسهمت في تطور علم الخرائط الذي نعرفه اليوم.
تابعوني لمحتوى أكثر…


