هل الوحدة فعلًا شيء سيء..
أم أن العالم فقط أقنعنا بأن الصمت مخيف؟
كثيراً ما تسود في مجتمعنا نظرة الشفقة لمن لا يسير على “معايير الشخص الاجتماعي ” ، ويتم التعامل معه على أنه يعاني من الشعور بالنقص وقلة ثقة في النفس ،وكثيرٌ منَّا أيضاً سار على هذه العقلية ، ولكن إذا وُضِعنا يوماً في محل الطرف الآخر ،هل ستكون لنا وجهة نظر مختلفة .. أم سنسير على المتعارف عليه من آراء ؟
لا جرمَ أنًّ بديهة الإنسان وطبيعته أن يكون اجتماعياً ، ف”الروح تحتاج الأرواح” كما نقول ، ولكن في الكثير من الأحيان ، يتولَّد في داخلنا صوت يطلب منّا الخروج ، أو الابتعاد عمَّا نمر فيه من ضغوطات ومشاكل .
ومن وجهة نظري ، المشكلة ليست في الانعزال نفسه ، بل تكمن المشكلة عندما يسلم الإنسان نفسه لأفكاره دون أن يتوصل إلى حل ونتيجة ، ويدخل بالتدريج في حالة من الهلوسة والهواجس التي يعجز عن الفكاك منها.
“الوحدة” كحالة شعورية داخلية ليست بالشيء السيء ، إنما السوء فيما يفعله الفرد فيها ، هل سيستغلها الاستغلال الحسن الذي يتمثل في تطوير الفرد لثقافته ومعرفته ويحسِّن فيه علاقته مع اللّٰه، أم سيضيعها بفرط التفكير و التخيلات والندم على ما فات .
ونحن -كمسلمون - أنعم الله علينا بنعمة دين الإسلام ، ونصَّ لنا في قرآنه الكريم ما فيه علاجاً وشفاءً لقلوبنا ، وما يشغل وقت فراغنا بما يفيدنا ، و إذا أظلمت الدنيا في عين الإنسان، وشعر وكأن جدران الحياة تضيق عليه، فإن الوحدة لا تعود مجرد غيابٍ للبشر، بل تصبح اختباراً حقيقياً للروح. في تلك العتمة، يسكت صخب العالم الخارجي ليصحو صوتٌ في الداخل، صوتٌ يدرك فجأة مدى ضآلته وحاجته إلى قوةٍ أعظم وأرحم. هنا، ينكسر الكبرياء، وتتساقط الأقنعة، فلا يجد الإنسان ملجأً يفر إليه إلا إلى الله. إن الحاجة إلى الدعاء في وقت الوحدة هي حاجة الظمآن للماء؛ ليس لمجرد طلب العون، بل لاستعادة السكينة المفقودة .
ونستدل على ذكر الله في وقت الوحدة بقصة سيدنا يوسف -عليه السلام- و دعاءه في السجن
حين وُضع يوسف في السجن، وهو غريب وحيد بعيد عن أهله، لم يرهب الوحدة لأن الله كان معه، واعتصم بالدعاء واللجوء إليه.
بعد كل هذا، هل سنستمر في وصف كل من اختار العزلة بنظرات الشفقة والاتهام بالنقص، أم سندرك أخيراً أن الخلوة قد تكون أحياناً هي أقوى بوابات التعافي والعودة إلى الذات؟
تابعوني واشتركوا في القناة.. القادم مستمر ومحتوى أكثر بانتظاركم


