إذا قورنت المدن التي نعيش بها الآن بما كانت عليه قبل آلاف السنين ، سيتضح لنا مدى التباين والاختلاف في تشييد المباني والزخم العمراني . ففي الوقت الذي اتصفت به المدن قديما بالألوان زاهية، الزخارف الهندسية ، الأقواس والأبواب التي تسر الناظرين ، والمباني التي تنسجم مع البيئة وتلائمها نجد أن المدن الحديثة تفتقر إلى هذه الصفات والخصائص.
ومن هذا المنطلق ، خطرعلى أذهاننا سؤال مفاده : ما الذي أدى إلى حدوث هذا التغيير ، أهي العوامل البيئية ، ، أم الزيادة السكانية ، أم أن التطور البشري وما تبعه من بعد الثورة الصناعية ثم المعلوماتية كان له الأثر الأكبر ؟
للوصول إلى جواب واف لهذا السؤال لا بد من العودة إلى البداية وسرد الأحداث منذ نشأتها ، تحديدا في عصور ما قبل الميلاد حيث قامت الممالك والحضارات الأوروبية ، والشرقية، والأفريقية. فقد كان التقدم والنمو العمراني من السمات والمعايير التي تعكس مدى ازدهار الحضارة.
وقد تميزت كل حضارة بطراز معماري يعكس هويتها وبيئتها ، وخير مثال على ذلك الحضارة الفينيقية ، اذ اعتمدت في تشييد المباني على الحجر الجيري وخشب الارز ، مما أكسب عمارتها طابعا فريدا . وقد شابههم الرومان في العمارة وبناء المدن ، ولم يكن هناك فرق جوهري إلا أن الرومانيين كانوا يهتمون بوسائل الترفيه ونشر الثقافة عن طريق بناء المسارح في وسط المدينة ، وكان المسرح في حضارتهم رمزا للازدهار الحضاري والثقافي.
ثم ننتقل بالسرد إلى العصور الميلادية التي اتسمت فيها الحضارات بالقوة والازدهار تارة ، وبالضعف والانحطاط تارة أخرى. وكما ذكرت أن الحضارة أوالمملكة تعرف بما خلفته من مبان ومعالم عمرانية شاهدة على تقدمها وفكرها .
ومن خيرالعصور التي عرفها تاريخ مابعد الميلاد و أحببت أن أتكلم عنها في هذا المقال العصور الإسلامية ، تحديدا في العصر العباسي والأندلسي ،فقد ارتبط كلا العصرين وتوطدت بهما أركان علوم البناء والعمارة التي لا زالت راسخة حتى يومنا هذا ،حيث لم تكن المباني مجرد صروح تشيد ، بل كانت لوحات فنية تنبض بالفكر والإبداع . فقد أبدع البناؤون والمهندسون في توظيف الأشكال الهندسية والزخارف المتناغمة ، حيث أصبحت العمارة العباسية هوية خاصة، يكفي أن تقع عليها العين حتى تدرك انتماءها إلى هذا العصر الزاهر.
وقد كان العصر الأندلسي امتدادا للعصر العباسي والعصر الأموي قبله، وممثلا للهوية العربية في الأمصار الغربية ، ومن أهم المعالم والآثار العربية الموجودة في الأندلس : القصور الحمراء بغرناطة ، المسجد الجامع بمدينة الزهراء بقرطبة ، ومئذنة جامع الموحدين باشبيليه ….
لم يقتصر النمو العمراني على ماذكرت فقط ، فهناك العديد من الحضارات كالحضارة الفرعونية ، والفارسية ، وحضارة الكوش ، والمايا وغيرها من الحضارات السامية التي لا تعد.
ومن هذا السرد نصل إلى التحول الحقيقي في البناء ، وهو التحول المعماري الذي حدث بعد الثورة الصناعية ، والانفجار السكاني الذي نقل بالبنائين والمهندسين إلى ابتكار مباني اقتصادية توفر الجهد والتكلفة ، وتستجيب للنمو السكاني وتوفر المأوى لمن فقدوا السكن.
فتحولت المباني القائمة أمام أعيننا إلى مبان بسيطة التخطيط بعيدة عن الزخارف الهندسية، معتمدة على نمط واحد متكرر في جميع أرجاء المدينة، والتشييد فيها متكئا على أسس ومواد غير صديقة للبيئة .
فأسلوب البناء المعتمد في وقتنا الحالي حتى ولو أنه أكثر اقتصادية وأقل تكلفة ، وتقنياته تتميز بأداء العمل في وقت قصير، إلا أنه لم يمنع ظهور السلبيات . فقد ارتبطت مواد البناء بالكثير من المشكلات الصحية والنفسية التي لم تعرف من قبل ، وظهور بعض الكوارث التي نذكر منها المطر الحامضي الذي ظهر في أوروبا وشرق أمريكا ،و ظاهرة الصوبة الزجاجية التي ساهمت في ارتفاع درجة الحرارة وزيادة معدلات ثاني أكسيد الكربون في الجو ،بالإضافة إلى أن الكثير من التصاميم أصبحت تفتقر إلى الدفء والجمال البصري الذي اعتيد عليه في العصور السابقة.
وختاما يتضح لنا أن العمارة القديمة والحديثة تمثلان مرحلتين مختلفتين ، ارتبطت الأولى بإثبات الهوية والفن والجمال ، أما الثانية فركزت على العملية والسرعة والاقتصاد، ولكل منهما أثره الذي يعكس ظروف عصره.
هذا كان المقال الخامس من سلسلة 20 مقال في 20 يوم
تفاعلكم دافع لاستمراري … وتابعوني لمحتوى أكثر.
.



