طرح عالم النفس الأمريكي ليون فستنغر هذه النظرية عام 1957 ، واستنطق الأفكار بتساؤلات عن كيفية تشكُّل فكرتين متعارضتين وتوليدهما للتوتر الداخلي الذي يربكنا .
وعندما توغَّل في هذا الموضوع، توصل إلى رصد صور متعددة للتنافر المعرفي ، واقترح لها جملة من السبل التي تخفف من حدتها ، وهذه الأنواع هي :
التنافر بين المعتقد والسلوك :
يتولد هذا النوع من التنافر عندما يؤمن الفرد بفكر أو قيمة معينة ، ثم يجد نفسه يتصرف بطريقة تناقض فكره . على سبيل المثال شخصاً ما يؤمن بأن الصدق قيمة أساسية ، ولكن إذا قورنت معتقداته بتصرفاته نجد أن ما يصدر عنه من تصرفات مخالفاً تماماً لما في عقله .
وقد لا يكون التناقض وليد موقف عابر ، بل قد يتكرر كلما وجد الإنسان نفسه أمام موقف يختبر حقيقة ما يؤمن به . وهنا يبدأ العقل في البحث عن مخرج يخفف من حدة هذا الصراع ؛ فإما أن يغير الإنسان سلوكه حتى يستعيد انسجامه مع معتقده ، أو يعيد تفسير معتقده بما يتناسب مع سلوكه ،.
التنافر بين المعتقدين :
نقتبس من هذا النوع مثال على شخص مؤمن بأنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى ، ولكن في نفس الوقت نجد أن هذا الشخص مُتعصِّب في فكره لأصله ونسبه و قبيلته .
الشخص في هذا المثال يحمل معتقدين في الوقت نفسه : الأول أن قيمة الإنسان ومكانته لا تتحدد بأصله أو عرقه أو نسبه ، والثاني أن الانتماء إلى قبيلته ونسبه يجعله أرفع وأكثر تميزاً عن غيره . ومن هنا ينشأ التنافر ؛ لأن الاعتزاز بالقبيلة بحد ذاته ليس المشكلة ، وإنما المشكلة تكمن في المفاضلة بين الناس على أساس النسب ، ويترتب عن هذه المشكلة مشاكل نفسية أخرى كالاتصاف بالأنانية ، واستنقاص الآخرين في سبيل إرضاء النفس.
التنافر بعد اتخاذ قرار صعب :
يحدث عندما يتخذ الإنسان قراراً ، ثم يبدأ عقله في استحضار الأفكار التي تؤيد الخيار الذي تركه ، فتداهمه الوساوس والأفكار التي تؤدي إلى الشعور بالندم ، والشك ، وكثرة التساؤلات الداخلية .
على سبيل المثال ، قام شخصٌ ما باختيار تخصصه الجامعي وبدأ رحلته في أروقة الجامعة ، ولكن عند مصادفته لتخصصٍ ما قد فكر فيه ، تبدأ الحيرة تتسلل إليه ، فتثقل أفكاره وتغرق ذهنه في دوامة من التساؤلات ، حتى يأخذ القلق والاضطراب يتزايدان في داخله .
تنافر المعتقدات عند سماع معلومة جديدة :
ويبدو هذا النوع واضحاً عندما تصل إلى الإنسان معلومة تتعارض مع معتقده أو فكرة راسخة لديه . مثالاً على هذا النوع ما ذكره العالم ليون فستنغر في كتابه "عندما تفشل النبوءة" ، عندما جماعة من العلماء الجازمين أقروا بأن الفضائيون أرسلوا لهم مكتوب ينص على أن العالم سينتهي وسيُحتَل من قبل الفضائيين يوم 21/12/1954 ، وقد آمنوا إيماناً مُطلقاً بهذا الشيء . ولكن عند حلول ذاك اليوم لم يحدث ما آمنوا بأنه سيحدث ، وبدل من ذلك ذهبوا بالقول أن دعائهم ومناجاتهم هي السبب في إيقاف نهاية العالم ، هنا نجد أنهم عندما شعروا بالتنافر توجهوا إلى وضع هذا المبرر حتى لا يشعروا بالتناقض.
فالشخص المتردد حتى يتخلص من تردده وتناقضه سيتجه إلى ثلاث خيارات : التبرير ، أو الرفض والإنكار ، أو التغيير .
ولا يمكن الجزم مسبقاً بالطريقة التي سيتعامل بها الشخص مع التنافر ؛ فقد يرفض الفكرة الجديدة ، أو يبحث عن مبررات تخفف من تعارضها مع معتقداته ، أو يعيد النظر في معتقده ويُجري عليه تغييراً . ويتوقف ذلك على طبيعة الموقف ، ومدى رسوخ الفكرة لديه ، وحجم التعارض الذي أحدثته المعلومة الجديدة .
ولذلك يمكن النظر إلى حلول التنافر بوصفها حلولاً نسبية ، تختلف من شخص إلى آخر ومن موقف إلى آخر ، ولا توجد طريقة واحدة تصلح لمعالجة جميع حالات التنافر .

