كثيراً ما يشعر المرء بالشوق والحنين عند رؤية شيئاً كان معتاداً عليه ، ربما مكاناً اعتاد يرتاده ، أو أغنيةً كان يسمعها بشكل متكرر لفترة من الزمن ، أو لعبةً رافقته طوال طفولته، حتى غدت امتدادًا ليديه .
لكن السؤال هنا : هل الحنين موجَّه إلى الماضي وإلى الاشياء التي اعتدنا عليها ، أم إلى ذواتنا التي بقيت عالقة فيه؟
ربما لا يكون الحنين دائمًا إلى المنزل القديم، أو المدرسة، أو اللعبة التي رافقت طفولتنا، بل إلى الشخص الذي كنا عليه آنذاك. فحين نتذكر تلك التفاصيل، لا نستحضر الأشياء وحدها، وإنما نستحضر أنفسنا قبل أن تثقلها التجارب والمسؤوليات وتغيّرها السنوات.
عندما تقع أعيننا على شيءٍ من الماضي ، يقوم العقل باستدعاء الذكريات التي رافقت هذا الشيء ، مع إعادة ترتيبها من جديد بطريقة تخفف من حدة التفاصيل المؤلمة ، وتضخم مساحة الذكريات الجميلة .
ومع هذا الاسترجاع ، ينشط إفراز الدوبامين، فيرتبط الماضي في أذهاننا بشعور من الدفء والراحة، فنراه أكثر جمالًا مما بدا لنا حين كنا نعيشه.
وعن تجربة شخصية ، كلما شاهدت صورًا أو تسجيلات قديمة، أشعر وكأن يومي يكتسب خفةً لا أعرف مصدرها، وكأن جزءًا من الماضي مرَّ ليطمئنني ثم رحل.
النوستالجيا … علاج مؤقت أم فخ نفسي ؟
عند التفكير في هذا السؤال ، سنتوصل إلى وجهة نظر ذات زاويتين مختلفتين ، وتتمثل هاتان الزاويتان في :
النوستالجيا كعلاج مؤقت : تمثل هذه الزاوية لدى الدراسات النفسية النظرة الأكثر ايجابية ، فهي كملاذ نفسي قصير الأمد .فعندما يشعر الإنسان بالوحدة أو القلق أو الضغط، قد تساعده ذكرى سعيدة أو صورة قديمة أو أغنية ارتبطت بمرحلة جميلة على استعادة الشعور بالأمان والانتماء. ولهذا السبب، بعد مشاهدة صور الطفولة أو سماع أغنية قديمة، قد يتحسن المزاج فعلًا.
النوستالجيا كفخ نفسي : هنا يصبح الحنين مشكلة عندما يتحول من زيارة للماضي إلى إقامة فيه.
في هذا الجانب ، يبدأ الإنسان بمقارنة الماضي بالحاضر لدرجة وصوله إلى حالة عدم الرضا والاقتناع .ومع مرور الوقت، يصبح لا هو بالذي توافق مع ماضيه كفترة زمنية مر بها في حياته ، ولا هو بالذي توافق مع واقعه وتقبله وعمل على تطوير نفسه إلى الأفضل.
مهما بدا الحاضر مرهقًا أو مثقلًا بالمشكلات، فهذا لا يعني أن اللجوء إلى الذكريات هو شكل من أشكال الهروب. فالإنسان قادر على أن يحنّ إلى الماضي، وفي الوقت نفسه يواجه .واقعه ويسعى إلى تغييره
وفي الختام ، الحنين ليس عدوًا للحاضر، ولا بديلًا عنه. إنه مجرد تذكير بأننا عشنا، وتغيرنا، وما زلنا نملك القدرة على صناعة أيامٍ سيأتي يوم نشتاق إليها كما نشتاق إلى ما مضى .

